الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

162

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

والتعارض بينهم ، وهذا بخلاف ما جاء به النبيّ وأهل بيّته وأوصياؤه المعصومون عليهم السّلام فنرى أن أقوالهم يصدق بعضها بعضا ، وكذا أفعالهم تصدق أقوالهم ، وجار لآخرهم كما كان لأولهم من دون معارضة وممانعة كما لا يخفى على البصير الناقد الساير في سيرهم عليهم السّلام وأفعالهم ، فيعلم منها أن هذا النظام التام الذي يكون جاريا على مقتضى الحكمة ، لا يكون إلا عن مصلحة إلهية ، ولا يكون إلا عن وحي إلهي دون ما كان في غيرهم . وكيف كان فيظهر مما ذكر اليقين بالشهادة بأنّ محمدا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله من حيث العقل السليم كما لا يخفى ، ثم إن هنا كلاما وحاصله : أنه وإن كان المرئي من المعصومين من الأنبياء والأوصياء هو أن ما صدر منهم إنما هو على مقتضى الحكمة ، فيكشف أنه عن وحي إلهي ، إلا أنه نرى من بعض الأنبياء بعض ما يوهم الخلاف ، كما في قصة يونس فإنه أتاه الوحي بأنّه ينزل على قومه العذاب ، فأخبر يونس عليه السّلام بهلاكهم ، ثم إنه كان عاقبة أمرهم أن رفع العذاب عنهم ولم يهلكوا ، فقال يونس : كذبني الوحي ( بتخفيف الذال المعجمة ) أي أخلفني فلا يرون وجهي ، أي لا يرون حرمة بوجهي عند اللَّه تعالى . فهذا نقض لتلك القاعدة المتخذة من سيرة الأنبياء من أنهم لا يفعلون إلا بالوحي الإلهي غير قابل التخلف . وجوابه : أنه ثبت بالتواتر أن للَّه تعالى البداء ( أي الإبداء ) كما حقق في محله ، وأنه لم يبعث اللَّه تعالى نبيا إلا وقد أخذ عليه القول بالبداء والإقرار بولاية أمير المؤمنين عليه السّلام وأن يكون في تراثهم كما صرحت بهذا الأحاديث الكثيرة . فحينئذ نقول : إن صدور ما يوهم الخلاف من النبي كيونس عليه السّلام بحسب الظاهر إنما كان لغرض صحيح في نفس الأمر وفي اللوح المحفوظ ، وإن كان المراءى في الظاهر خلاف ما هو في الواقع . وحاصله : أنه ربما يصدر من بعض الأنبياء ما يكون تركه أولى ، كما كان عن آدم عليه السّلام وكذا في يونس ، فاللَّه تعالى يفعل به في الظاهر ما يصلحه عن هذا ، مع أنه في